إيران، هرمز، والطاقة كأداة قوة: العالم يدخل مرحلة جديدة من المخاطر النظامية.

هذا ليس مجرد تصعيد إقليمي آخر، بل هو بروز الطاقة كمتغير أساسي في الاضطراب العالمي الجديد. تمثل الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران منعطفًا حاسمًا في بنية أمن الطاقة الدولية الهشة أصلًا. إن جوهر الأزمة الحقيقي ليس طهران، بل مضيق هرمز، أهم نقطة اختناق في التجارة العالمية للنفط والغاز الطبيعي المسال.

يمر عبر مضيق هرمز ما يقارب 20% من استهلاك النفط الخام العالمي وجزء كبير من الغاز الطبيعي المسال المتجه إلى آسيا وأوروبا. إنه ممر حيوي يصعب استبداله على المدى القريب، مما يجعل منظومة الطاقة العالمية برمتها عرضة للاضطرابات الهيكلية. لا تكمن المشكلة الرئيسية في حجم الإنتاج المفقود فعلياً في إيران، بل في مدى خطورة وتكلفة وعدم يقين نقل الطاقة من الخليج العربي إلى الأسواق النهائية.

في هذا السياق، تبدو تطمينات أوبك بشأن زيادة الإنتاج غير كافية إلى حد كبير. فحتى مع التسليم بوجود طاقة إنتاجية فائضة، تبقى المسألة في جوهرها لوجستية ومالية. فإذا أصبحت طرق الشحن غير آمنة، وارتفعت أقساط التأمين بشكل كبير، وزادت أسعار شحن ناقلات النفط بسرعة، فإن العرض "المحتمل" يبقى مجرد عرض نظري. وتدرك الأسواق هذا الأمر، فتُدرج هذا الخطر فورًا في الأسعار، قبل حدوث أي اضطرابات فعلية في التدفقات.

تتضح جغرافية الضرر جلياً. فالاقتصادات الآسيوية المستوردة – الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية – هي الأكثر عرضة للخطر. معظم النفط العابر لمضيق هرمز متجه إلى آسيا، مما يجعل بكين عرضة بشكل هيكلي لصدمات الطاقة الخارجة عن سيطرتها. هذا ضعف استراتيجي تدركه واشنطن جيداً، وهو يعزز بشكل غير مباشر موقف أمريكا في أي مواجهة نظامية مع الصين، بما في ذلك تايوان. ليس كأداة ضغط مباشرة، بل كرادع وعامل يزيد من التكاليف المحتملة لأزمة متزامنة في جبهات متعددة.

تخرج أوروبا من هذه الأزمة بكل هشاشتها الاستراتيجية. ليس هذا ضعفًا طارئًا، بل هو نتيجة هيكلية لاتحاد بُني كمساحة تنظيمية لا كقوة مؤثرة. ورغم أن الاتحاد الأوروبي أقل اعتمادًا رسميًا على نفط الخليج مقارنةً بآسيا، إلا أنه يبقى عرضةً تمامًا لتقلبات أسعار الطاقة العالمية. فعلى صعيد الغاز، وبعد أن أعلن الاتحاد عن سلامة النظام لما بعد عام ٢٠٢٢، انتهى به الأمر إلى زيادة اعتماده على الغاز الطبيعي المسال المستورد، مُقرًا بهشاشة باتت واضحة للعيان من جديد.

في غياب سياسة طاقة مشتركة، ودفاع فعّال عن الممرات البحرية، ودبلوماسية موارد حقيقية، يُهمّش الاتحاد الأوروبي في ديناميكيات صنع القرار. تكتفي بروكسل بالمراقبة والتفاعل، دون توجيه. أما التحول الأخضر، الذي يُصوَّر على أنه سردية إنقاذ، فلا يُقدّم أي حماية قصيرة الأجل، بل يُخفي في نهاية المطاف واقعاً أكثر إزعاجاً: أوروبا تستورد تضخم الطاقة، وتفقد قدرتها التنافسية الصناعية، وتُعزّز اعتمادها الاستراتيجي على جهات خارجية.

من جهة أخرى، تتمتع الولايات المتحدة وروسيا بوضع أفضل نسبياً. فواشنطن، رغم ما تدفعه من ثمن داخلي على صعيد التوافق والوقود، تعزز دورها كضامن للأمن البحري ومورد بديل للطاقة، لا سيما الغاز. أما موسكو، وكما هو معتاد في أوقات التوتر، فتستفيد من ارتفاع الأسعار وتزايد الطلب من الدول الساعية إلى إمدادات مستقرة، حتى وإن كان ذلك على حساب تنازلات سياسية.

في عالمٍ مُجزّأ، لم تعد الطاقة سلعةً، بل أصبحت أداةً للقوة. ومن لا يُسيطر على مساراتها يدفع الثمن الذي يُحدّده الآخرون. هذا هو الدرس المستفاد من الأزمة الإيرانية. لا يكمن الخطر الأكبر في الإغلاق التام لمضيق هرمز، بل في مرحلةٍ طويلةٍ من عدم الاستقرار المُتقطّع: أعمال تخريب، وهجمات مُستهدفة، وحوادث، وتوترات مُتقطّعة. سيناريو قادر على إبقاء الأسواق في حالة تأهب دائم، مع آثار تراكمية على الاستثمار والتضخم والنمو العالمي.

في هذا النظام الجديد غير المستقر، تعود الطاقة لتصبح سلاحاً جيوسياسياً. من يسيطر على النقاط المحورية يملي القواعد. أما من يتخلون عن فكرة القوة الاستراتيجية، كأوروبا مثلاً، فلا يتفاوضون، بل يدفعون الثمن.

المقال "إيران، هرمز والطاقة كرافعة للقوة: العالم يدخل مرحلة جديدة من المخاطر النظامية" مأخوذ من موقع Scenari Economici .


تم نشر المشاركة على مدونة Scenari Economici على https://scenarieconomici.it/iran-hormuz-e-lenergia-come-leva-di-potere-il-mondo-entra-in-una-nuova-fase-di-rischio-sistemico/ في Tue, 03 Mar 2026 07:00:58 +0000.