
يبدو أن الاقتصاد الأرجنتيني قد استعاد عافيته، إن لم يكن انتعاشه، فعلى الأقل تفاؤلاً غير متوقع. فالبلاد، التي كانت حتى أشهر قليلة مضت على شفا أزمة مالية عميقة وتنتظر "مظلة إنقاذ" دولية، أصبحت الآن قادرة على التخلي، رسميًا على الأقل، عن خطة إنقاذ مصرفية أمريكية ضخمة.
أثار فوز خافيير ميلي، السياسي الليبرالي المُنتخب بتفويضٍ لخفض الإنفاق العام بشكلٍ جذري، رد فعلٍ من أسواق وول ستريت فاق كل التوقعات. وانخفضت علاوة المخاطر الوطنية بشكلٍ حاد، بينما انتعشت السندات الحكومية، مما يشير إلى تجدد الثقة.
لقد أقنع هذا التغيير المفاجئ في المشهد المؤسسات المالية الأميركية الكبرى بأن التدخل الضخم، الذي تم تصوره في سياق الحملة الانتخابية التي اتسمت بالمخاوف من الفوضى المالية، لم يعد ضروريا.
الخطة المجمدة والواقع الجديد
وبحسب التقارير التي أوردتها صحيفة وول ستريت جورنال ، فإن الخطة الأصلية ــ التي كانت تتضمن اتفاقا لتثبيت العملة بقيمة 20 مليار دولار مع وزارة الخزانة الأميركية، والذي كان من المقرر أن يُستكمل بخط ائتمان بنفس المبلغ تقدمه البنوك الخاصة ــ قد تم تأجيلها.
أقرّ جيمي ديمون ، الرئيس التنفيذي لبنك جي بي مورغان، بأن تقديم قرض مصرفي محتمل للأرجنتين "قد لا يكون ضروريًا"، مع أن مؤسسته لا تزال مستعدة لتقديم تمويل خاص. ويُعد هذا مؤشرًا واضحًا على أن الأرجنتين، تحت رعاية ميلي، لم تعد تُعتبر "مريضًا في المرحلة النهائية" ويحتاج إلى إنعاش عاجل.
كان الهدف من صفقة الأربعين مليار يورو إظهار دعم دولي قوي وتهدئة التوترات في ظل حالة من عدم اليقين السياسي الشديد. أما اليوم، ومع هدوء السوق (أو على الأقل هدوء التوقعات)، فقد اختارت البنوك نهجًا أكثر حذرًا واستهدافًا.
وبدلاً من اقتراح العشرين مليار يورو، بدأت الحكومة الأرجنتينية مفاوضات للحصول على تمويل إضافي، مع البنوك وحدها، بمبلغ خمسة مليارات يورو فقط، لغرض أكثر محدودية: سداد الدين العام بشروط أفضل.
| التدخل الأولي (المجمد) | التدخل الحالي (قيد التفاوض) |
| الهدف: استقرار العملة وإشارة دعم ضخمة. | الهدف: إدارة الديون قصيرة الأجل. |
| المبلغ: 20 مليار دولار (وزارة الخزانة الأميركية) + 20 مليار دولار (البنوك الأميركية). | المبلغ: حوالي 5 مليار دولار. |
| النوع: خط الائتمان واتفاقية الاستقرار. | النوع: اتفاقية إعادة شراء قصيرة الأجل ("ريبو"). |
| البنوك المعنية: جي بي مورجان، بنك أوف أميركا، سيتي جروب. | البنوك المعنية: جي بي مورجان، بنك أوف أميركا، سيتي جروب. |
من المفترض أن تُستخدم الأموال المُقدمة من اتفاقية "إعادة الشراء" الجديدة والمُخفّضة لسداد ديون بقيمة 4 مليارات دولار تقريبًا تستحق في يناير . هذا تحوّل في المنظور: من عملية إنقاذ طارئة لتعزيز الثقة، انتقلنا إلى عملية إدارة سيولة عادية، تكاد تكون عادية، و
بالطبع، لا تزال احتياطيات النقد الأجنبي شحيحة، ويظل التضخم عدوًا لدودًا، لكن السياسة المالية لحكومة ميلي، التي لا تزال تسجل فوائض ، خلقت مصداقية لم تكن موجودة من قبل. كما ظل الميزان التجاري يحقق فائضًا ثابتًا منذ ما يقرب من عامين، وهذا بدوره يوفر للبلاد موارد مالية كبيرة.
ترحب واشنطن (بدعمٍ مُعلن من شخصياتٍ مثل دونالد ترامب ووزير الخزانة سكوت بيسنت) بهذا التحوّل في الأحداث، آملةً أن تتمكن الأرجنتين أخيرًا من الاعتماد على نفسها. إذا استمر هذا التوجه، وعززت الأرجنتين قاعدتها الصناعية، يُمكن اعتبار الوضع في الأرجنتين مستقرًا أخيرًا.
الأسئلة والأجوبة
لماذا تراجعت البنوك الأميركية عن خطة الإنقاذ البالغة 20 مليار دولار؟
السبب الرئيسي هو التحسن الملحوظ في معنويات السوق عقب فوز خافيير ميلي في الانتخابات. فقد أدت الثقة في سياساته إلى انهيار علاوة المخاطر في البلاد، وإلى ارتفاع حاد في قيمة سندات الحكومة الأرجنتينية. كان الهدف من خطة الإنقاذ تهدئة حالة الذعر التي سبقت الانتخابات، وهي حاجة تلاشت بمجرد أن "صوّتت" الأسواق لصالح الاستقرار السياسي. وقد شكك جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لبنك جي بي مورغان، صراحةً في الحاجة إلى مثل هذا التدخل واسع النطاق.
ما هو الفرق الأساسي بين خطة الإنقاذ واتفاقية «الريبو» الحالية؟
كانت خطة الإنقاذ المالي بقيمة 20 مليار دولار بمثابة خط ائتمان طويل الأجل يهدف في المقام الأول إلى حماية العملة الوطنية واستعادة الثقة على نطاق واسع. أما اتفاقية إعادة الشراء قصيرة الأجل (أو الريبو) بقيمة 5 مليارات دولار، فهي آلية مالية قياسية ومحدودة للغاية. تُستخدم لتوفير سيولة فورية لإدارة استحقاقات الديون الوشيكة (مثل حوالي 4 مليارات دولار تستحق في يناير). ويُظهر هذا التحول من آلية إلى أخرى أن أزمة الثقة النظامية قد تم التغلب عليها، مما يُتيح المجال لإدارة الديون بشكل روتيني.
هل يعني أن خطة الإنقاذ لم تعد ضرورية أن اقتصاد الأرجنتين أصبح خارج دائرة الخطر؟
لا، ليس تمامًا. على الرغم من أن حكومة ميلي أحرزت تقدمًا ملحوظًا، مثل تحقيق فوائض مالية وخفض التضخم جزئيًا (الذي لا يزال مرتفعًا للغاية)، إلا أن الأرجنتين لا تزال تواجه تحديات هيكلية هائلة. احتياطيات النقد الأجنبي منخفضة، والحاجة إلى اتفاقية إعادة شراء لإدارة استحقاقات يناير تُبرز وضع السيولة الهش. يعتمد النجاح الحالي على مصداقية المسار السياسي الجديد، لكن الاستدامة طويلة الأجل ستعتمد على قدرة ميلي على تنفيذ إصلاحات جذرية ودائمة.
المقال الأرجنتين، خطة الإنقاذ لم تعد ضرورية: ميلي يفجر البنك (والبنوك الأميركية) يأتي من سيناريوهات اقتصادية .