
تشبه أجهزة الكمبيوتر الكمومية إلى حد ما الاندماج النووي: وعد أبدي بمستقبل أسرع وأكثر قوة، ولكنه وعد يبدو دائماً وكأنه يتلاشى عندما تعتقد أنك قد حصلت عليه.
المشكلة، كما يعلم خبراء الصناعة والمستثمرون الذين يراقبون هذا القطاع بمزيج من الأمل والخوف، لا تكمن في القدرة الحاسوبية النظرية بقدر ما تكمن في الهشاشة. فالكيوبتات "أجهزة" حساسة للغاية: فأدنى شيء قد يُفقدها تماسكها ويحول عملية حسابية ثورية إلى سيل من الضوضاء عديمة الفائدة.
لكن ثمة تغييرٌ ما. فقد أثبت فريقٌ من الباحثين في المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ ، بقيادة البروفيسور أندرياس والراف، إمكانية إجراء عملياتٍ على هذه الكيوبتات "بشكلٍ كامل"، وتصحيح الأخطاء في الوقت الفعلي دون انقطاع العملية. وهو نوعٌ من "الجراحة الكمومية" التي قد تُمثّل الخطوة الحاسمة نحو آلاتٍ قابلةٍ للاستخدام في نهاية المطاف.
نقطة الضعف: عدم الترابط
لفهم أهمية هذا الاكتشاف، يجب علينا أولاً فهم العدو الأول: فقدان الترابط الكمومي . في الحواسيب التقليدية، تكون البتة إما 1 أو 0، وهي ثابتة. أما في الحواسيب الكمومية، فيوجد الكيوبت في حالة تراكب من الحالات. هذا "السحر" هو ما يضمن السرعة الهائلة، ولكنه أيضاً نقطة الضعف.
عندما يحدث التفكك، يقع نوعان من الأخطاء القاتلة:
- انقلاب البت: الكيوبت الذي كان من المفترض أن يكون '0' يتصرف فجأة وكأنه '1'. هذا هو الخطأ الأكثر وضوحًا.
- انقلاب الطور: هذا أكثر دقة. على الرغم من أن الكيوبت يبقى في حالة تراكب، إلا أن العلاقة بين مكوناته تنعكس (من موجب إلى سالب)، مما يؤدي إلى إفساد الخوارزمية تمامًا.
حتى الآن، كان الشعار السائد: "لنصنع كيوبتات أفضل". لكن للفيزياء حدود. يتمثل النهج الحديث والأكثر واقعية في التوقف عن الاعتماد على الكيوبت المادي الفردي ومحاولة فهم الأخطاء وتصحيحها. قد يبدو هذا سهلاً، لكنه ليس كذلك ظاهرياً فقط.
الحل: الكيوبت المنطقي والرمز السطحي
لا تكمن الاستراتيجية الناجحة في البحث عن الكيوبت المثالي، بل في إخفاء المعلومات في "مجموعة" من الكيوبتات. إذ يتم أخذ بت واحد من المعلومات ( كيوبت منطقي ) وتوزيعه على العديد من الكيوبتات الفيزيائية.
استخدم فريق زيورخ نظامًا مكونًا من 17 كيوبتًا فيزيائيًا مرتبة في شبكة مربعة لإنشاء كيوبت منطقي واحد قوي. يُعرف هذا الترتيب باسم "الرمز السطحي" .
يكمن السر في المراقبة. لا يمكنك النظر مباشرة إلى الكيوبتات التي تحتوي على البيانات، وإلا فإن الطبيعة الكمومية ستنهار (تأثير "المراقب" الشهير، أي أن مراقبة التجربة تشوه نتائجها).
بدلاً من ذلك، نستخدم "المثبتات": وهي كيوبتات مساعدة تقيس العلاقات بين كيوبتات البيانات . يشبه الأمر التحقق من أداء فريق كرة قدم من خلال النظر إلى النتيجة والأخطاء فقط، دون النظر مباشرة إلى اللاعبين.
لذا يجب أن يكون التصحيح في الحاسوب الكمومي مختلفًا تمامًا عن التصحيح في الحاسوب العادي:
- في الحواسيب التقليدية، يكون التصحيح "قاسياً" : لحماية جزء من البيانات، يتم نسخه عدة مرات، وفي حالة وجود خطأ، يتم ببساطة إجراء تصويت بالأغلبية. ما يظهر في أكبر عدد من النسخ هو النسخة الصحيحة.
- في عالم الكم، هذا محظور بموجب قوانين الفيزياء ( نظرية عدم الاستنساخ ): لا يمكنك نسخ كيوبت دون تدميره.
يكمن الحل في الإبداع: فبدلاً من النسخ، تُوزَّع المعلومات عبر شبكة من الكيوبتات الفيزيائية المتشابكة ( رمز السطح ). ويكمن التحدي في شقين: فالكيوبت عرضة لنوعين من الأخطاء (انعكاس القيمة وانعكاس الطور)، ولتصحيحها لا يمكن النظر إلى البيانات مباشرةً، بل يجب قياس "ظلالها" (المثبتات) فقط، مما يجعل العملية أكثر تعقيدًا بشكل كبير.
التجربة: "جراحة الشبكة"
حتى هذه اللحظة، كانت النظرية معروفة جيداً. أما الابتكار الذي قدمته جامعة ETH، بالتعاون مع معهد بول شيرر وجامعة RWTH آخن، فكان يتمثل في تنفيذ عملية منطقية معقدة أثناء تصحيح الأخطاء.
استخدموا تقنية تُسمى جراحة الشبكة . تخيّل ورقة مربعة (الكيوبت المنطقي المُكوّن من 17 كيوبت فيزيائي). قام الباحثون "بتقسيم" هذا المربع إلى نصفين بقراءة ثلاثة كيوبتات على طول الخط الأوسط.
ماذا حدث؟
- انقسم المربع الأصلي إلى كيوبتين منطقيين جديدين.
- بفضل الطبيعة الكمومية للعملية، لم يكن هذان الكيوبتان الجديدان منفصلين، بل متشابكين .
- وخلال عملية القطع، استمر النظام في اكتشاف وتصحيح انعكاسات البتات .
من الناحية العملية، قاموا بتنفيذ عملية تعادل وظيفيًا بوابة منطقية (مثل Controlled-NOT )، مما أدى إلى إنشاء اتصال بين وحدتين منطقيتين محميتين.
"سيكون إجراء عملية منطقية بهذه الطريقة المقاومة للأخطاء سهلاً لو استطعنا تحريك الكيوبتات وتوصيلها حسب الرغبة"، أوضح مايكل كيرشباوم، أحد المؤلفين. "لكن في الرقائق فائقة التوصيل، تكون الكيوبتات ثابتة في مكانها. جراحة الشبكة هي الطريقة لتجاوز هذا القيد الفيزيائي."
لماذا يُعدّ هذا الأمر مهماً (وهو ليس مجرد ضجة إعلامية)
كثيراً ما نقرأ عن "التفوق الكمي" لإجراء حسابات غير ضرورية. لكننا هنا نتعامل مع شيء مختلف: الهندسة الإنشائية.
بدون القدرة على معالجة الكيوبتات المنطقية عن طريق تصحيح الأخطاء أثناء حسابها، سيكون الكمبيوتر الكمومي الذي يحتوي على مئات الكيوبتات عديم الفائدة: سينتج ببساطة بيانات غير مهمة بسرعة كبيرة.
تُظهر النتائج المنشورة في مجلة Nature Physics ما يلي:
- من الممكن التلاعب بالمعلومات المحمية.
- يمكن توليد التشابك بين الكيوبتات المنطقية (الأساس لأي خوارزمية معقدة).
- يمكن إدارة معدل الخطأ وتحسينه ، على الرغم من أنه لا يزال موجودًا (خاصة بالنسبة لانعكاسات الطور أثناء القطع)، عن طريق توسيع نطاق النظام، أي جعله أكبر.
الآفاق المستقبلية: نحو الحاسوب "المتسامح مع الأخطاء"
هل وصلنا إلى الهدف؟ كلا، ما زال أمامنا طريق طويل. نجحت التجربة في تصحيح انعكاسات البتات ، ولكن خلال عملية "القطع"، ظلت انعكاسات الطور غير قابلة للكشف. مع ذلك، هذه مشكلة تتعلق بالحجم، وليست مشكلة فيزيائية أساسية. يمكن معالجة هذا الخلل أيضًا بزيادة مسافة الترميز (أي استخدام المزيد من الكيوبتات الفيزيائية لكل كيوبت منطقي).
أثبت المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ (ETH Zurich) أن اللبنات الأساسية للمعالجات الكمومية المستوية واسعة النطاق تعمل بكفاءة. ولا يتطلب ذلك فيزياء جديدة، بل يتطلب فقط (إن صح التعبير) هندسة فائقة الدقة.
ختامًا، إذا كان الحاسوب الكمومي حتى الأمس بمثابة طفل حديث الولادة لا يمكن لمسه دون أن ينهار (يفقد تماسكه)، فقد تعلمنا اليوم كيفية إجراء عملية جراحية بسيطة عليه أثناء نومه، دون إيقاظه. خطوة صغيرة للبشرية، لكنها قفزة عملاقة نحو موثوقية الحسابات المستقبلية.
المقال بعنوان "الجراحة الكمومية: كيف تقوم جامعة ETH زيورخ بإصلاح أجهزة الكمبيوتر المستقبلية "بقلب مفتوح"" مأخوذ من مجلة Scenari Economici .
