
اعتدنا على اعتبار الذكاء الاصطناعي التوليدي أفقًا لا حدود له من الإمكانيات الإبداعية. الفكرة الشائعة هي أنه بمجرد تزويده بالقدرات الحاسوبية المناسبة، يستطيع الذكاء الاصطناعي استكشاف عوالم جمالية ومفاهيمية يعجز العقل البشري عن بلوغها. ولكن ، ماذا يحدث فعلاً عندما نستبعد البشر من المعادلة ونترك الذكاء الاصطناعي يتحدث مع نفسه فقط؟ دراسة حديثة أجراها كل من أرند هنتز، وفريدا بروشينجر أستروم ، وجوري شوساو، تجيب على هذا السؤال بوضوح: ننزلق حتمًا نحو مستوى متوسط للغاية .
ابتكر الباحثون حلقة مغلقة، حيث يقوم نموذج توليد الصور (Stable Diffusion XL) بإنشاء صورة، ثم يصفها نموذج لغوي (LLaVA)، ويُستخدم هذا الوصف لتوليد صورة جديدة. في هذه العملية التكرارية الخالية من التدخل البشري، لم تُنتج الآلات روائع فنية رائدة، بل سرعان ما تحولت إلى صور نمطية بصرية مبتذلة. أطلق الباحثون على هذه الظاهرة اسم " موسيقى المصاعد البصرية ". كانت الصور مُرضية بشكل طفيف، لكنها فارغة.
مفارقة التقارب
حللت التجربة 700 مسار مستقل، انطلاقاً من 100 محفز أولي شديد التنوع ومعقد دلالياً. وعلى الرغم من الطبيعة العشوائية لتوليد الصور، إلا أنه بعد حوالي 100 تكرار، تقاربت جميع المسارات إلى نتائج متطابقة تقريباً.
مهما كانت الفكرة الأولية غريبة أو فريدة، ينتهي النظام دائمًا بإنتاج صور تجارية مطمئنة تفتقر إلى أي لمسة إبداعية. وقد حدد الباحثون 12 فئة رئيسية فقط يتعثر فيها الذكاء الاصطناعي في نهاية المطاف، وهو ما يمثل نوعًا من "الملاذ الآمن" الجمالي.
| تَجَمَّع | الموضوع المهيمن | مثال مرئي |
| 0 | الرياضة والحركة | صور ديناميكية موحدة |
| 1، 5، 9 | تصميمات داخلية فاخرة | قاعات رسمية، وهندسة معمارية فخمة وقصورية |
| 2 | البحرية | المنارات في العاصفة (أحد أكثر المواضيع تكراراً) |
| 3 | ليلة حضرية | شوارع مضاءة بأضواء النيون ذات أجواء ساحرة |
| 4 | ديني/قوطي | التصميمات الداخلية للكاتدرائية بنوافذها الزجاجية الملونة وتلاعباتها الضوئية |
| 6، 7 | صناعي وريفي | المصانع القديمة أو البيئات الخشبية الريفية |
| 8 | محلي/غذائي | مشاهد منزلية بأسلوب الصور الفوتوغرافية الجاهزة |
| 10 | رعوي | قرى خلابة ومناظر طبيعية ريفية |
| 11 | الطبيعة/الحيوانات | مناظر طبيعية بإضاءة خلابة |
لماذا يصبح الذكاء الاصطناعي مملاً؟ فيزياء الجاذبات.
من الناحية التقنية والاقتصادية، تُعدّ هذه الظاهرة مثيرة للاهتمام للغاية. في ديناميكيات الأنظمة، نتحدث عن " نقاط الجذب ": وهي حالات مستقرة يميل النظام إلى التطور نحوها. لقد استوعبت أنظمة الذكاء الاصطناعي، التي تم تدريبها على مليارات الصور من الإنترنت، التحيزات الثقافية والاقتصادية لمجتمعنا. عندما تُترك الآلة دون تدخل، فإنها تسعى إلى مسار أقل مقاومة احتمالية – أي ما هو أكثر شيوعًا، وأكثر احتمالًا إحصائيًا، وفي النهاية، الأكثر "أمانًا"، والأقل تطلبًا. فلماذا تُهدر الرموز لإنشاء شيء قد لا يُقدّر؟ إننا نتجه نحو المتوسط، أي نحو الرديء.
تُفضّل النماذج جماليات الصور الفوتوغرافية الجاهزة ، تلك الصور التي قد نجدها في كتالوجات الأثاث أو على مواقع السفر. كما أن هذا التقارب يقاوم التغيرات في "درجة الحرارة" (المعيار الذي يتحكم في عشوائية النموذج): ففي درجات الحرارة المنخفضة والعالية على حد سواء، تبقى نقاط الوصول كما هي.
التشابه مع الثقافة الإنسانية وأهمية العمل
تُحاكي هذه الظاهرة بشكلٍ مُثير للدهشة عملية انتقال الثقافة البشرية. ففي القرن الماضي، أثبتت تجارب بارتليت على الذاكرة أنه عندما تُنقل قصة من شخص لآخر، تتلاشى التفاصيل الأصلية وتتكيف الحكاية مع الأنماط الذهنية المشتركة للمشاركين.
مع ذلك، ثمة فرق جوهري يمس صميم التحليل الاقتصادي. ففي البشر، يحفز التفاعل الاجتماعي والنقد والرغبة في التميز الابتكار. أما في الذكاء الاصطناعي المستقل، الذي يفتقر إلى التغذية الراجعة البشرية التصحيحية، فلا نحصل إلا على المتوسط الإحصائي، أو ما يُعرف بالمتوسط الذهبي . لا وجود للإبداع؛ بل إن البشر، حتى كمجرد تمثيلات، غالباً ما يختفون من المعادلة.
مثال على التكرارات المتتالية للذكاء الاصطناعي دون تدخل بشري. يتم استبعاد البشر، ونتجه نحو بيئات فاخرة عادية خالية من البشر.
إن آثار هذه الدراسة عميقة:
-
حدود الأتمتة: إن إسناد الإبداع بالكامل إلى الآلات لن يولد قيمة مضافة، بل سيزيد من التكرار الجمالي والثقافي.
-
قيمة رأس المال البشري: يظل "العمل" البشري، بمفهومه الذي يشمل التفكير النقدي، والخروج عن المألوف، والتفاعل، المحرك الحقيقي للإبداع. الذكاء الاصطناعي أداة إنتاجية، ولكنه ليس فاعلاً اقتصادياً إبداعياً مستقلاً. البشر هم العنصر الإضافي الذي تفتقر إليه الآلات، والذي من المرجح، بحكم طبيعتها، أن تبقى عليه للأبد.
-
مخاطر السوق: قد يؤدي الاستخدام المتهور لحلقات الذكاء الاصطناعي المستقلة إلى إغراق السوق بمحتوى متجانس، مما يُضعف العرض الثقافي. سيتضرر الفن، وربما يعاني بالفعل.
ختاماً، لن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى نهاية الإبداع والفن، طالما لم يُترك لشأنه. فالتعاون بين الإنسان والآلة، وليس الإبداع المستقل تماماً، هو الأساس للحفاظ على التنوع والقيمة في المشهد الإبداعي الجديد.
أسئلة وأجوبة
لماذا ينتج الذكاء الاصطناعي جميع الصور نفسها إذا لم يكن خاضعاً لسيطرة البشر؟
تُدرَّب نماذج الذكاء الاصطناعي على قواعد بيانات ضخمة من الصور الموجودة مسبقًا. وعند تشغيلها في حلقات مستقلة، فإنها تميل بطبيعتها نحو "الجاذبات" الإحصائية، أي الصور الأكثر شيوعًا واحتمالية في بيانات التدريب. ونظرًا لافتقارها إلى الحكم البشري الذي يبحث عن الجديد، تختار هذه الأنظمة المسار الأكثر أمانًا، مُولِّدةً جماليات نمطية تُشبه الصور الجاهزة، مثل صور المنارات والكاتدرائيات والتصاميم الداخلية الفاخرة.
هل هذا يعني أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يكون مبدعاً؟
يمتلك الذكاء الاصطناعي قدرة توليدية هائلة، لكن الإبداع الحقيقي يتطلب قصداً وحكمة وتجاوزاً للأنماط. تُظهر الدراسة أن الذكاء الاصطناعي وحده يقتصر على محاكاة المتوسط الإحصائي. لا يظهر الإبداع الحقيقي إلا في التفاعل بين الإنسان والآلة، حيث يعمل الإنسان كمرشح وموجه، مانعاً النظام من الانزلاق إلى مستوى الرداءة البصرية.
ما هي الآثار الاقتصادية على صناع المحتوى والشركات؟
لقد تبددت فكرة أن الذكاء الاصطناعي المستقل قادر على استبدال أقسام الإبداع دون أي تكلفة. فالأتمتة غير الخاضعة للإشراف تُنتج محتوىً نمطيًا ذا قيمة مضافة ضئيلة، مما يؤدي إلى تجانس العلامات التجارية. ستتحول القيمة الاقتصادية بشكل متزايد إلى "التنسيق" البشري: أولئك الذين يجيدون استخدام الذكاء الاصطناعي للتميز سيتمتعون بميزة تنافسية على أولئك الذين يعتمدون على حلقات آلية نمطية.
المقال " الذكاء الاصطناعي المستقل لا ينتج إلا أعمالاً متوسطة: الدراسة التي تفكك أسطورة الإبداع اللامحدود" صادرة عن مجلة "سيناري إيكونوميتشي" .