
اعتدنا على اعتبار الطباعة ثلاثية الأبعاد أداةً لإنشاء نماذج أولية صناعية أو أجهزة منزلية. إلا أن الثورة الحقيقية تحدث على نطاق يفوق إدراك العين البشرية. فقد حقق فريق من الباحثين (بمن فيهم علماء من معهد ج. ستيفان في سلوفينيا) إنجازًا رائدًا: تصنيع هياكل دقيقة من البوليمرات مُخصصة مباشرةً داخل خلايا بشرية حية. وتُقدم ورقة بحثية منشورة في مجلة "المواد المتقدمة" هذه التقنية.
الأمر لا يتعلق بإدخال أشياء جاهزة، بل يتعلق ببنائها "في الموقع"، لبنة لبنة (أو بالأحرى، فوكسل فوكسل)، داخل بيئة مكتظة بالسكان وحساسة للغاية.
مشكلة "تجهيزات" الخلايا
حتى الآن، كان إدخال الأجسام الصلبة في الخلية مهمة محبطة. تمتلك الخلايا آليات دفاع فعالة:
- البلعمة: تقوم الخلية "بابتلاع" الجسم الغريب، لكنها تحبسه في حويصلة ( الجسيم البلعمي )، معزولةً إياه عن باقي السيتوبلازم. يشبه الأمر وجود ضيف في منزلك، لكنه محبوس في الخزانة.
- الحقن المجهري: يعمل بشكل جيد مع السوائل، ولكنه لا يسمح بإدخال هياكل صلبة معقدة دون تدمير الغشاء.
تتغلب التقنية الجديدة على المشكلة: يتم حقن سائل، ويتصلب فقط عند الحاجة.
التقنية: بلمرة الفوتونين (TPP)
يكمن جوهر هذا الابتكار في عملية البلمرة ثنائية الفوتون (TPP) . إليكم كيف حوّل الباحثون خلية هيلا إلى موقع بناء مجهري:
- الحقن: يتم حقن قطرة من مادة مقاومة للضوء متوافقة حيوياً (راتنج حساس للضوء، في هذه الحالة IP-S أو IP-n162) في الخلية.
- الليزر: يُسلط ليزر الفيمتو ثانية (780 نانومتر) على القطرة. وتضمن فيزياء الكم أن يتصلب الراتنج فقط عند نقطة تركيز الليزر، تاركًا كل شيء آخر سائلاً.
- التمثال: من خلال تحريك الليزر، يتم "رسم" الجسم ثلاثي الأبعاد. يذوب الجزء غير المتصلب أو يتم طرده، تاركًا الهيكل النظيف.
إن مستوى الدقة مذهل: فعلى الرغم من انكسار الضوء من خلال القطرة المنحنية، يتم الحصول على تفاصيل بدقة تصل إلى حوالي 260 نانومتر .
فيل في الزنزانة…
ولإثبات تنوع هذه الطريقة، لم يقتصر الفريق على الأشكال الهندسية، بل قاموا بطباعة فيل بحجم 10 ميكرومتر داخل خلية حية. وتؤكد صور المجهر الإلكتروني الماسح (SEM) والمجهر الإلكتروني الماسح متحد البؤر (SEM) أن الفيل مكتمل التكوين، مع سلامة غشاء الخلية وتحرك النواة برفق لإفساح المجال له.
رموز شريطية للبقاء والمعيشة
لكن هل ينجو "المريض" من العملية؟ بيانات الدراسة صادقة ومفيدة. صحيح أن موت الخلايا موجود، لكنه لا ينتج عن الطباعة نفسها، بل عن الحقنة الأولية.
| علاج | معدل عدم البقاء على قيد الحياة (24 ساعة) | ملحوظات |
| تحكم (بدون إجراء) | حوالي 10% | معدل الوفيات الفسيولوجي/التجريبي الطبيعي. |
| حقن الزيت/الدكستران | حوالي 44-50% | الضرر ميكانيكي، بسبب الإبرة. |
| الطباعة ثلاثية الأبعاد داخل الخلايا | حوالي 55% | يشبه الأمر حقنة بسيطة. الطباعة لا تضيف سمية كبيرة. |
لا تكتفي الخلايا الناجية بالنمو فحسب، بل تنقسم أيضًا . خلال الانقسام المتساوي، تنتقل البنية المطبوعة إلى إحدى الخليتين البنتين. إذا كان الجسم ضخمًا (أكبر من 5 ميكرومترات)، يتأخر الانقسام لبضع ساعات، مما يدل على أن الخلية "تشعر" بثقل الجسم المضيف، لكنها مع ذلك تُكمل الدورة.
التطبيقات: من الرموز الشريطية إلى الليزر
إن الآثار العملية تتجاوز بكثير مجرد الفضول العلمي:
- الترميز الخلوي: يمكن طباعة رموز شريطية ثلاثية الأبعاد فريدة داخل كل خلية. وباستخدام نظام 64 بت (أسطوانات ممتلئة أو فارغة)، يمكن وسم مليارات الخلايا الفردية وتتبعها بشكل فردي بمرور الوقت.
- الليزرات الدقيقة (WGM): باستخدام راتنجات ذات معامل انكسار عالٍ، تم ابتكار ليزرات دقيقة نشطة داخل الخلية. عند إضاءتها من الخارج، تُصدر هذه الليزرات إشارات ضوئية يمكن أن تعمل كمستشعرات فائقة الدقة.
- علم الأحياء الميكانيكي: يمكن طباعة النوابض أو الأقفاص لممارسة قوى ميكانيكية على العضيات ودراسة كيفية تفاعل الخلية مع الإجهاد الفيزيائي من الداخل.
أسئلة وأجوبة
لماذا تُعتبر الطباعة داخل الخلية أفضل من حقن كائنات جاهزة؟
تعتمد الطرق التقليدية، كالبلعمة، على احتجاز الأجسام داخل أغشية واقية (الجسيمات البلعمية)، مما يمنعها من التفاعل المباشر مع السيتوبلازم. إلا أن الحقن المجهري للمواد الصلبة يُعدّ مدمراً للغاية بالنسبة للأجسام الكبيرة. أما الطباعة الموضعية فتتيح وجود أجسام صلبة ومعقدة ووظيفية (كالمستشعرات أو الهياكل الميكانيكية) حرة في السيتوبلازم (السيتوسول)، مما يسمح بتفاعلات مباشرة مع الآليات الخلوية دون حواجز إضافية.
ما هو حجم الأشياء المطبوعة؟
نتحدث هنا عن هياكل يبلغ حجمها حوالي 10 ميكرومترات (0.01 مليمتر)، أي ما يعادل خُمس سُمك شعرة الإنسان أو حجم خلية دم حمراء. تصل دقة هذه التقنية (وضوحها) إلى 260 نانومترًا. وهذا يُتيح إمكانية إنشاء تفاصيل دقيقة للغاية، مثل أرجل فيل مجهري أو شبكات رمز شريطي ثلاثي الأبعاد، وهو أمر يستحيل تحقيقه باستخدام تقنيات التصنيع الأخرى على هذا النطاق.
ما هي المخاطر التي تهدد الخلية؟
يكمن الخطر الرئيسي في الجانب الميكانيكي: إذ تُلحق الإبرة المستخدمة لحقن الراتنج السائل ضررًا بالغشاء، مما يؤدي إلى معدل وفيات يتراوح بين 50 و55% خلال 24 ساعة. مع ذلك، فإن الخلايا التي تنجو من الحقن تتحمل عملية الطباعة بشكل جيد. المادة المستخدمة (مقاوم ضوئي IP-S) متوافقة حيويًا، وتصبح خاملة بعد تصلبها. تستمر الخلايا في الحركة والانقسام، على الرغم من أن الأجسام الضخمة جدًا قد تُبطئ عملية الانقسام الخلوي نظرًا لصعوبة تعامل الخلية مع حجمها.
المقال بعنوان "المصانع البيولوجية الدقيقة: طباعة الهياكل ثلاثية الأبعاد داخل الخلايا البشرية أصبحت الآن حقيقة واقعة" منشور في مجلة "سيناري إيكونوميتشي" .
