
مع استمرار هبوب رياح الحرب في منطقة البحر الكاريبي، حاول الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو تهدئة حدة الخطاب بمبادرة دبلوماسية غير مألوفة. في وقت سابق من هذا الأسبوع، أعلن مادورو استعداده لإجراء محادثات مباشرة مع مسؤولين أمريكيين، وهي خطوة تأتي بعد أن أثار الرئيس ترامب نفسه إمكانية استمرار الاتصالات بين الإدارتين.
ولكن الرسالة القادمة من كاراكاس لم تكن رسالة انفراجة خالصة، بل تحذير واضح، في ما يبدو أنه لعبة خفية من السياسة الواقعية تهدف إلى استغلال نقاط الضعف السياسية الداخلية في واشنطن، كل ذلك في حين سمح الرئيس الأميركي لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بتنفيذ عمليات في الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية، وفقا لصحيفة نيويورك تايمز .
المسار المزدوج لواشنطن
تأتي دعوة مادورو للدبلوماسية في ظل تصاعد التوترات العسكرية. ورغم تصريحاته العلنية، كرر ترامب تأكيده على أنه لا يستبعد إرسال قوات إلى فنزويلا، ويستمر الحشد العسكري الأمريكي الضخم في منطقة البحر الكاريبي دون هوادة.
اعتبر مادورو الخيار العسكري انتحارًا سياسيًا محتملًا لترامب، واصفًا إياه بأنه "أكبر خطأ في حياته" إذا أمر بشن هجمات على البلاد. ووفقًا للزعيم الفنزويلي، فإن الضغط المُحرِّض على الحرب لا ينبع من مصالح استراتيجية بحتة، بل من فصائل سياسية داخلية في واشنطن تسعى لإضعاف شاغل البيت الأبيض الحالي قبل انتخابات الكونغرس عام ٢٠٢٦.
وفي هذا السرد، تستخدم كاراكاس الحاجة إلى تجنب الصراع المسلح ــ مع تكلفته الاقتصادية والبشرية الباهظة وغير القابلة للقياس ــ كوسيلة ضغط لحث ترامب على عدم الوقوع في فخ الصقور الداخليين.
عامل ماركو روبيو والدبلوماسية الصامتة
خص مادورو وزير الخارجية ماركو روبيو ، الذي يُعتبر منذ فترة طويلة أبرز صقور الإدارة الأمريكية، واصفًا إياه بأنه "يريد أن يرى يدي الرئيس ترامب ملطختين بالدماء". وهذا اتهام خطير يهدف إلى عزل التيار الأكثر تدخلًا.
في الواقع، لطالما كان موقف روبيو من كوبا وفنزويلا واضحًا وحاسمًا، ويعود ذلك جزئيًا إلى أن قاعدته الانتخابية تتكون أساسًا من المنفيين من الأنظمة الاشتراكية في أمريكا الوسطى والجنوبية. وكلما حاد عن هذا الخط، تعرّض لهجوم من ممثلي هذه المجتمعات.
لكن هذا الصدام اللفظي بين كاراكاس والدوائر المحافظة الجديدة في واشنطن يخفي حقيقة أكثر تعقيداً، تتألف من اتصالات سرية وتعاون براجماتي:
- القنوات المفتوحة: بعد الهجمات الأميركية الأولى ضد "قوارب المخدرات" المزعومة في المنطقة، أرسل مادورو رسالة إلى ترامب يحث فيها على الدبلوماسية ويؤكد استعداده للقاء المبعوث الخاص ريك جرينيل (الذي تحدث معه بالفعل في يناير/كانون الثاني).
- براغماتية صامتة (ودائمة): رغم العداوة، لا يزال التعاون قائمًا في القضايا ذات الاهتمام المشترك. بين مارس ومنتصف أكتوبر، نظّمت الولايات المتحدة 40 رحلة جوية لإعادة آلاف المواطنين الفنزويليين إلى وطنهم.
هذه الثنائية الغريبة – تهديدات الحرب والتعاون في إعادة النازحين – تُبرز مبدأً جيوسياسيًا أساسيًا: حتى في أكثر العلاقات توترًا، تُحدد المصالح الداخلية والاحتياجات العملية (مثل إدارة تدفقات الهجرة) في نهاية المطاف الحد الأدنى من التفاعل. ويظل التوازن هشًا، ممزقًا بين طموحات بعض المتشددين المحرضة على الحرب والحسابات السياسية لرئيسٍ عليه تقييم تكلفة الصراع قبل انتخابات حاسمة.

الأسئلة والأجوبة
لماذا يسعى مادورو إلى حوار مباشر الآن، رغم التوترات؟ تُعدّ خطوة مادورو تدبيرًا استراتيجيًا يهدف إلى هدفين: تجنب التدخل العسكري المباشر، والتأثير على السياسة الداخلية الأمريكية. فمن خلال توفير قناة اتصال، يسعى مادورو إلى نزع الشرعية عن صقور واشنطن، وخاصة ماركو روبيو، الذين يدفعون باتجاه الحرب. ويُشير إلى أن هدف العمل العسكري ليس استراتيجيًا، بل يهدف إلى الإضرار بالقيادة السياسية لترامب قبل انتخابات الكونغرس المقبلة. والسعي إلى الحوار في هذا السياق هو خطوة تهدف إلى إظهار ضبط النفس، وتصعيب تبرير ترامب للتصعيد.
ما طبيعة الحشد العسكري الأمريكي في منطقة البحر الكاريبي، وما أثره؟ تُبقي الولايات المتحدة على وجود عسكري كبير في المنطقة، مبررًا جزئيًا بعمليات مكافحة المخدرات. يُسهم هذا الحشد في الضغط المستمر على نظام مادورو، مما يُضفي مصداقية على تهديد التدخل العسكري، الذي لم يستبعده ترامب. ويتجلى أثره في شقين: من جهة، يُجبر كاراكاس على توخي أقصى درجات اليقظة وتكثيف الموارد؛ ومن جهة أخرى، يُزود مادورو بحجج واهية (العدوان الخارجي) ليستخدمها في تعزيز الدعم المحلي وتحذير ترامب من العواقب السياسية للعمل العسكري.
ما هي مفارقات التعاون "الصامت" بين الولايات المتحدة وفنزويلا؟ تكمن المفارقة الرئيسية في أنه بينما يسود الخطاب الدبلوماسي طابع الحرب وتهديدات الحرب، يتعاون البلدان في مسائل ذات ضرورة عملية. أوضح مثال على ذلك هو إدارة تدفقات الهجرة: بين مارس وأكتوبر، نُفذت 40 رحلة إعادة إلى الوطن لحوالي 8000 مواطن فنزويلي. يُظهر هذا التعاون في القضايا غير الأيديولوجية وجود آليات عملية لإدارة المصالح المشتركة، تتجاوز المواقف الرسمية، وخاصةً فيما يتعلق باحتواء التكاليف الاجتماعية أو اللوجستية الداخلية (مثل إدارة المهاجرين في الولايات المتحدة).
المقال "مادورو يمد يده لترامب: دبلوماسية "وجهاً لوجه" ضد خطر الخطأ القاتل في البحر الكاريبي" يأتي من Scenari Economici .