
يأتي وقتٌ تتوقف فيه السياسة عن التعليق على الأسواق وتبدأ بالتأثير فيها مجدداً. وتندرج مهمة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني الخاطفة إلى دول الخليج ضمن هذا السياق تحديداً: مبادرةٌ تؤثر على مسارات الطاقة، وتعزز مكانة إيطاليا الدولية، وتوجه رسالةً واضحةً إلى الفاعلين الاقتصاديين. إنها سياسة العمل، في نهاية المطاف.
تجري هذه الجولة، التي تشمل المملكة العربية السعودية (مع توقف في جدة)، وقطر ، والإمارات العربية المتحدة ، في بيئة شديدة التوتر، وتُظهر قدرة على التحرك الفوري غير مسبوقة في أوروبا اليوم. إنها مهمة صممها وقادها رئيس الوزراء مباشرةً، مع تركيز سياسي وعملياتي قوي، مما يشير إلى خيار واضح: التواجد هناك، فوراً، عندما تشتد الحاجة.
في خضم فترة تتسم بتقلبات أسعار الطاقة ومخاطر الإمدادات، يُمثل قرار إيطاليا بالتحرك أولاً، دون سابق إنذار وقبل أي زعيم غربي آخر، قفزة نوعية واضحة. الأمر لا يقتصر على مجرد وجود دبلوماسي، بل هو خطوة استراتيجية تُرسخ مكانة إيطاليا كطرف ذي نفوذ في منطقة بالغة الأهمية للتوازن العالمي. ففي الجغرافيا السياسية، كما في الأسواق، من يصل أولاً يُملي شروطه.
تكمن أزمة الطاقة في صميم المشكلة. تعتمد إيطاليا بشكل كبير على دول الخليج: إذ يأتي ما يقارب 10% من غازها الطبيعي من قطر، وأكثر من 12% من نفطها من الشرق الأوسط. في ظلّ بيئةٍ قد تؤدي فيها التوترات والاضطرابات في خطوط الإمداد إلى ارتفاع الأسعار وضغوط تضخمية فورية، فإنّ معالجة العلاقات مع الموردين الرئيسيين بشكل مباشر تعني معالجة جذور المشكلة. وهذا يعني حماية الأسر والشركات قبل أن تؤثر الأزمة على ميزانيات الأسر وحسابات الشركات.
وهنا تكمن النقطة السياسية الحاسمة: تتوقف إيطاليا عن التأثر بأسعار الطاقة وتعود إلى التفاوض بشأنها. هذا هو التحول الحقيقي في النموذج. ليس التكيف مع الصدمات، بل استباقها. ليس مطاردة الأزمات، بل إدارتها.
المواجهة مع الاتحاد الأوروبي، مرة أخرى، أمر لا مفر منه. أصدرت بروكسل توصيات: خفض الاستهلاك، وكبح الطلب، والتكيف. باختصار، دليل عملي لكيفية توفير الطاقة، أشبه ما يكون بدليل إرشادي لأزمة عالمية. لكن السياسة لا يمكنها الاكتفاء بإدارة الآثار؛ بل يجب عليها معالجة الأسباب. وفي هذا المجال، لا تزال أوروبا تُظهر عجزًا واضحًا عن العمل. فبينما تُوزَّع النصائح، تتقلب الأسعار. وبينما تُقترح سلوكيات معينة، تواجه الشركات تكاليف متزايدة باستمرار.
تُغيّر المبادرة الإيطالية هذا النمط. لا مزيد من الانتظار، بل العمل. لا مزيد من التوجيهات العامة، بل تدخلات ملموسة. إنه فرق جوهري، تستوعبه الأسواق، وطالما انتظره نظام الإنتاج. لأن القدرة التنافسية الصناعية تعتمد أيضاً – وقبل كل شيء – على تكلفة وأمن إمدادات الطاقة.
ثمة عامل آخر يُعزز نطاق المهمة: الحضور الراسخ للشركات الإيطالية في منطقة الخليج. فعلى مدى سنوات، لعبت الشركات الإيطالية دورًا محوريًا في بناء البنية التحتية ومحطات الطاقة والمشاريع الكبرى، مساهمةً في تنمية بعضٍ من أكثر الاقتصادات ديناميكية في العالم. في تلك المنطقة، لا تُعدّ عبارة "صُنع في إيطاليا" مجرد علامة تجارية، بل ضمانة للجودة والموثوقية. ويُعرف الإيطاليون بكفاءتهم المهنية، وقدرتهم على إنجاز المشاريع المعقدة، وتميزهم الهندسي.
تستند هذه المهمة السياسية إلى أرضية خصبة بالفعل، فتعزز العلاقات الاقتصادية القائمة وتفتح آفاقاً جديدة. كما أنها خطوة تخاطب الشركات أيضاً، فتدعم مكانتها وتوسع آفاقها. إنها ليست مجرد دبلوماسية، بل سياسة صناعية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
قبل كل شيء، إنها عودة المصلحة الوطنية لتكون المبدأ التوجيهي لعمل الحكومة. لقد شهدنا طويلاً نهجاً متردداً، غالباً ما يخضع للديناميكيات الخارجية. اليوم، نرى إيطاليا تتخذ القرارات، وتبادر بالعمل، ولا تنتظر. إيطاليا لا تكتفي بمطالبة مواطنيها بتقديم التضحيات، بل تعمل على تجنبها.
هذا بالضبط ما يطالب به الإيطاليون: سياسة تحمي وتتدخل وتستبق الأزمات بدلاً من تحملها. سياسة لا تقدم النصائح، بل تبني الحلول.
إنّ المهمة في الخليج تأتي في وقتها المناسب، وتتسم برؤية مستقبلية، وتتمتع بالمصداقية. فهي تبعث برسالة قوية إلى الشركاء الدوليين والأسواق والمنظومة الإنتاجية. ولكن الأهم من ذلك كله، أنها تتجاوز ذلك: إنها عودة لسياسة تختار وتتخذ القرارات وتؤثر في الواقع.
وإذا كانت إيطاليا اليوم تتخذ زمام المبادرة مرة أخرى، وتتحدث بصوتها الخاص، وتدافع عن مصالحها الاستراتيجية دون تردد، فذلك لأن أحدهم قرر أن يتحمل مسؤولية الحكم بشكل كامل.
قرارٌ يُمثّل قطيعةً واضحة. قرارٌ يُعيد لإيطاليا ثقلها ومصداقيتها ومكانتها المحورية. وقبل كل شيء، قرارٌ يُمكن للبلاد أن تفخر به.
سيكون إنريكو ماتي فخوراً بها!
أنتوني ماريا رينالدي
شغل أنطونيو ماريا رينالدي منصب المدير العام لشركة SOFID، الشركة القابضة المالية التابعة لشركة ENI، ورئيس مجلس إدارة شركة Trevi Holding. كما عمل أستاذاً للتمويل المؤسسي في جامعة بيسكارا، وأستاذاً للسياسة الاقتصادية في جامعة لينك. وكان عضواً في البرلمان الأوروبي من عام 2019 إلى عام 2024.
المقال بعنوان "ميلوني يكسر الجمود الأوروبي. مهمة مفاجئة إلى الخليج من أجل أمن الطاقة الإيطالي. إنريكو ماتي سيكون فخوراً." مأخوذ من موقع "سيناري إيكونوميتشي" .